مستوطنة اليهود اليمنيين في سلوان بقلم يوناثان مزراحي

في أواخر القرن التاسع عشر, انتقل اليهود اليمنيون للعيش في قرية سلوان العربية. واليوم، يتخذ البعض، وخاصة اليمينيين والمستوطنين من هذه المستوطنة اليمنية القديمة حجة قوية لإقامة المستوطنة اليهودية المعاصرة في سلوان.

اليهود اليمنيون الأوائل وصلوا إلى فلسطين في الـ 1882. حيث أن الحنين إلى القدس جلب الكثيرين منهم ليستوطنوا في المدينة ومحيطها. ولكن سرعان ما تبدد حلمهم بالأرض التي تفيض لبناً وعسلاً حينما وجوهوا بالواقع القاسي من ندرة في الغذاء والعمل والاعتراف بهم كيهود. حيث أن سكان المدينة من اليهود القدماء - اليهود الذين عاشوا في القدس قبل إقامة الدولة- لم يقبلوا بهم كما كانوا يتوقعون. ارتدى اليمنيين ملابس مختلفة عن السفراديم أو اليهود الأشكناز, كما كانوا يتحدثون بلغة مختلفة, وكانت لهم صلاة مختلفة, وكانوا الأفقر بين اليهود. والعديد من اليهود الأصليين شككوا بهوية اليمنيين كيهود.

وكنتيجة لظروفهم وحالتهم الإجتماعية, اضطر العديد من اليهود اليمنيين للعيش في كهوف الجبال حول المدينة. عاش بعضهم في الجبال والكهوف في قرية سلوان, خارج أسوار المدينة, جنوبي جبل الهيكل والربع اليهودي. في تلك الأيام, كانت سلوان معروفة كبلدة عربية. العائلات العربية الأولى التي انتقلت للعيش في سلوان وصلت إليها قبل مئات السنين. على سبيل المثال, عائلة صيام, إحدى أكبر العائلات في القرية, تدعي أنها وصلت إلى القرية خلال أيام صلاح الدين (في القرن الثاني عشر).

كان أول من ساعد اليهود اليمنيين هم المسيحيون المبشرون الذين سكنوا حي الأمريكان كولوني (ما يعرف اليوم بمنطقة الشيخ جراح). ربط المسيحيون اليهود اليمنيين بقبيلة جاد المنقطعة. كما وزودهم بالغذاء والملبس وحتى بالمال.

وعندما سمع وجهاء اليهود من السكان القدماء بمساعدة المسيحيين لليهود اليمنيين قرر فرومكن أن ينظم مساعدات يهودية لليمنيين. وأسس شركة "عزرات ندحيم" (مساعدة عن بعد) بهدف زيادة المساعدات وشراء الأراضي لبناء حي لليمنيين. بنيت البيوت الأولى في سلوان, بجانب بئر أيوب, في الطرف الجنوبي الشرقي للقرية, بعيدا عن البلدة القديمة. يتضح من الرسائل التي بعثها اليمنييون إلى أهلهم في سانا في اليمن أنهم لم يرغبوا بالعيش في سلوان:

“...وهذه الأرض بعيدة... في جبل الزيتون وتسمى سلوان, وهذا المكان ليس إسرائيليا بل هي أرض للأغيار, ولقد رأيت المكان وهو ليس جميلا بالنسبة لي... والعديد يتذمرون من اختيارهم للعيش في سلوان, حيث اننا علمنا أن المكان بعيد جدا عن الحي الاسرائيلي (الربع اليهودي والحي اليهودي الجديد خارج السور).. ”

يتضح من الرسالة أن القرية كانت مأهولة قبل وصول اليمنيين. كما يتضح أن اليمنيين رغبوا في العيش بين اليهود. في نفس الفترة, تم بناء حي يهودي جديد في الغرب خارج الأسوار, بعيدا عن القرية العربية. ومع ذلك, قرر اليهود الأصليين في البلدة القديمة بناء الحي اليمني في سلوان, وأسموه قرية الشلوح. لم يكن لدى اليمنيين خيار فلم يكن باستطاعتهم الحصول على بيت في الحي الجديد ولم يكونوا مقبولين بين اليهود في الحي اليهودي.

في عام 1884 سكن أول يمنيون في سلوان ولمدة 45 سنة عاشوا بسلام وكانت علاقتهم مع جيرانهم العرب جيدة. فقد بدا وكأن أهل سلوان, التي عرفت كقرية فقيرة, وجدوا أساس مشترك بينهم وبين اليهود اليمنيين الفقراء الذين عاشوا بينهم.

في أحداث عام 1929, لم يُقتل أو يُصب أي يهودي في سلوان (أو قرية الشلوح). فقد قام مواطني القرية العرب بقيادة عائلة غزلان بحماية جيرانهم اليهود ومنع مهاجمتهم. بعد بضعة أيام من الأحداث عَمِل الانتداب البريطاني على نقل اليهود اليمنيين إلى البلدة القديمة. عادت مجموعة منهم إلى سلوان في عام 1929, ولكن بعد الثورة العربية الكبرى في عام 1936, غادر كل اليهود القرية.

بالرغم من محاولة تصوير أحداث عام 1929 كأعمال عنف ضد اليهود في سلوان, إلا أنه من الواضح أن الحقيقة غير ذلك. فمن رسالة الامتنان التي بعثها اليهود اليمن إلى جيرانهم العرب, يتضح مدى التفاني والإحسان الذي أظهره العرب اتجاه اليمنيين بتقديم الحماية لهم, كما تضح علاقات حسن الجوار والصداقة التي سادت بين الطائفتين.

اضغط/ي هنا
لمشاهدة رسالة الامتنان (بالعبرية)

اضغط/ي هنا لمشاهدة
الترجمة العربية للرسالة (PDF)

" نحن, الموقعون أدناه, سكان قرية الشلوح, نعلن بصراحة امتناننا الشديد إلى الرجل العزيز صاحب القلب النقي, الشريف الحاج محمد غزلان, أحد إخوتنا العرب المحترمين, سكان قرية الشلوح- سلوان, وأصدقاؤه الطيبين, الذين أبدوا تعاطف واحسان استثنائي اتجاه جيرانهم اليهود سكان الشلوح, خلال أحداث الشغب في عام 1929 , حيث لم يسمحوا لعصابات مثيري الشغب إلحاق الأذى بنا..."

رسالة الإمتنان هذه تشهد ليس فقط على الأخلاق العالية وإحسان سكان سلوان العرب, بل وايضا على التعايش بين العرب واليهود. وتشهد على علاقات جوار جيدة, واحترام, وتعاون متبادل, وعلى التعايش كأسلوب حياة. جُمل أخرى من الرسالة تُعبر عن هذه المشاعر:

"... أحد إخوتنا العرب المحترمين, سكان قرية الشلوح- سلوان, وأصدقاؤه الطيبين.."

".. وحتى اليوم تسود العلاقات الجيدة بيننا وبين جيراننا, كل شيء هادئ في كافة أنحاء أحيائنا.."

"...نحن نأمل أن تستمر هذه العلاقة بيننا وبينهم لسنوات عديدة قادمة..."

رغم العطف والمساعدة التي أبداها محمد غزلان عندما حمى اليهود اليمنيين, فان ذالك لم يساعد عائلته عندما تم اخلاءها خارج منزلها عام 2006.

بالنظر للمستوطنة اليمنية في سلوان, تظهر محاولة تصوير المستوطنة الحالية في القرية كامتداد للستوطنة اليمنية غير منطقية وسخيفة. وحتى مع تزوير الحقائق والاستخدام المغلوط والسخيف لظروف اليمنيين في ضوء الأحداث الماضية, فحسب رأينا من الواضح أنه ليس ثمة من رابط بين الحي في القرن التاسع عشر والمستوطنة الحالية.

يمكننا تلخيص تاريخ المستوطنة اليهودية اليمنية في سلوان بكلمات عبد شلودة, مواطن عربي من سلوان: " نحن لا نخفي حقيقة أن اليهود اليمنيين عاشوا هنا؛ بل على العكس نحن قبلنا بهم لكن اليهود الآخرين هم من رفضوهم".


الاتصال بنا | من نحن | التبرّعات | القائمة البريدية